محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

190

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

والقبول والإعانة : سمع اللّه لمن حمده ، أي أجاب ؛ وفلان لا يسمع ما يقال له ، أي لا يقبل ؛ ويقال : سمعا وطاعة ( 80 آ ) ، قال اللّه : وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا ؛ والصمم المذكور في هذه الآية يجوز أن يراد به ما ينافي السمع الذي هو الفهم وانشراح الصدر ، ويجوز أن يراد به ما ينافي القبول . ثمّ الذمّ إنّما لحقهم لانصمامهم وإعراضهم ؛ والعرب تسمّي من يكره سماع شيء ويستثقله أصمّ ، لأنّه في ذلك كالأصمّ الذي لا حاسّة له ؛ وقال قائلون : إنّما لحقهم الذمّ لعدم انتفاعهم بسماع القرآن ؛ وإنّما لم ينتفعوا به لأنّ اللّه أذهب نورهم وتركهم في ظلمات ، وختم على سمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة ؛ والوجهان متقاربان في المعنى إلّا أنّ القدر على الوجه الأوّل أغلب ، والجبر على الثاني أغلب . وقال المتوسّطون : إنّهم لو تدبّروا وحسنت نيّتهم في طلب الحقّ لأدركوه وانتفعوا به إلّا أنّهم حرموا ذلك وأخطأوا الصواب ، فضلّوا وأدركتهم الشقاوة ؛ فلم ينتفع أحدهم بالحواسّ التي خلقت لأجل الاستماع والاستبصار ؛ فلم تنفتح أسماعهم وعيونهم لإدراك الحقّ ، ولم تتجمّع هممهم لطلبه ، قال تعالى : وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ؛ وقال سيّد البشر : « اعملوا ؛ فكلّ ميسّر لما خلق له » 466 وقال : « خلق الجنّة وخلق لها أهلا » وقال : « إذا أراد اللّه بعبد خيرا استعمله بعمل أهل الجنّة » 467 الحديث ، وقال في دعائه : « أعوذ بك منك . » الأسرار هذا الذي ذكره أهل التفسير وأهل المعاني نحوهم على قاعدة الكونين والحكمين ، لكنّهم ربّما يميلون إلى جانب القدر وربّما يميلون إلى جانب الجبر ؛ وليس لأحد منهم قدرة على تقرير الحكمين معا ، وبيان المفروغ والمستأنف حكمين متمايزين تارة ، وبيان رؤية أحدهما في الثاني أخرى ؛ وذلك من أسرار النبوّة ، ومفاتيح الغيب ، وعلم باب العلم ، ومن عنده علم الكتاب . ولمّا كانت الآيات في تقرير حال المنافقين وتمثيل أفعالهم بفعل من استوقد نارا ليستدفئ بها نفسه ويبصر بها غيره ، وكانت النار ممّا يطلب منه الغرضان ، كذلك الإسلام